المنجي بوسنينة
11
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بعنوان « العقد النضيد في التنظير بين الحضارة الإسلامية وتمدّن العصر الجديد » . على أن أهم ما استفاده من عمله في خزائن كتب الأحمدية هو الاطّلاع على كنوز مخطوطاتها ، والاستعانة بها على تأليف عديد الرسائل والكتب إضافة إلى ما غنمه من علاقات ومناقشات مع العلماء والوجهاء من التونسيين ، والمستشرقين والمسؤولين من الفرنسيين . وكلّ هذا أتاح له فوائد جمّة مما نجد صداه واضحا في تآليفه . في هذه الأجواء العلمية عاش محمد الحشايشي بقية عمره إلى أن توفي يوم الثلاثاء 3 ذي الحجة 1330 ه 12 / نوفمبر 1912 م عن سن تناهز الستين سنة . والواضح من أطوار حياته وأعماله أنه كان شغوفا بالعلم والقراءة ، موسوعي التكوين ، صبورا على البحث والتأليف ، ميّالا إلى التّرحال والاكتشاف ، متأثّرا بالمؤرخين الاجتماعيين خاصة منهم ابن خلدون ، وبالإصلاحيين المعاصرين كخير الدين باشا التونسي ، وجماعته ممّن درس عليهم في الزيتونة أو عاشرهم . ولكل هذه الأطوار حفلت آثاره بأفكار إصلاحية فدعا نثرا وشعرا إلى نهضة العرب والمسلمين بالاقتباس من التقدّم الأوروبي ، وفتح المدارس العصرية مثل الصادقية والخلدونية والعلوية ، وتعليم اللغات ، وتعليم المرأة ضاربا المثل للتونسيين بتعليم ابنته ، دون أن ينسيه كل ذلك ما كان للعرب من تقدّم علمي لا بد من بعثه وتطويره ليتسنّى لهم بناء حضارة جديدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة . ولعله من منطلق مقولة التحديث ، أو لأسباب أخرى ، كان لا يرى بأسا لتحقيق المشروع التحديثي التونسي من الاعتماد على التقارب الإسلامي المسيحي ، والتعاون مع الفرنسيين ، والإشادة بسياستهم ، حدّ تبنّي أطروحاتهم والترويج لما كان يدعون إليه من سياسة تقوم في الظاهر على التحاور والتمدين ، وفي الباطن على الاندماج بين شعبين لكل منهما حضارته وخصائصه التي يختلف بها عن الآخر . وقد تحدّث عن هذا المبدإ في تفكيره وأشار إليه في سيرته الذاتية التي أعدّها عند نقل « الرحلة الصحراوية » إلى الفرنسية بقوله : « أما المسألة التي تعلقت لها أكثر من غيرها فهي دراسة الطّرق الكفيلة بتقريب الشقّة بين الفرنسيّين والعرب . . . » [ الرحلة الصحراوية ، 39 ] . ولم يكن الحشائشي هو الوحيد في تبنّي هذه المقولة ، فقد كان عدد من السياسيّين والمفكرين العرب منبهرين بالحضارة الغربية انبهارا كلّيا جعلهم يعولون عليها كلّ التعويل في النهضة العربية المرتقبة حدّ التبعيّة والذوبان . وقد أثبتت الأيام هشاشة هذه الرؤية لأن عوامل التقارب بين الشعوب جغرافية كانت أو تاريخية ، لا تبلغ قوة عوامل الاختلاف الدينية واللغوية والعرقية . ولقد كانت هذه العوامل هي نفسها التي اتخذ منها الوطنيون الأحرار سلاحا لمقاومة المحتل وسياسة الإدماج ، خاصة لما تحوّلت هذه السياسة إلى استعمار أرض ، واغتصاب سيادة ، وقمع حرية ، وطمس هوية . وعدا هذا الموقف السياسي الخاص بالعلاقات بين الغرب الأوروبي المسيحي والشرق العربي المسلم ، كان محمد